ابن الجوزي
396
صيد الخاطر
بالجزاء . ثم المستحسن أنموذج ما قد أعد ، فأين العقل المتأمل ؟ كلا ، لو تأمل وصبر قليلا لربح كثيرا . ولو ذهبت أذكر ما قد عرفت من اعتراض العلماء والعوام لطال . ومن أحسن الناس حالا في ذلك ، ما يحكى عن ابن الراوندي أنه جاع يوما واشتد جوعه فجلس على الجسر وقد أمضّه الجوع ، فمرت خيل مزينة بالحرير والديباج . فقال : لمن هذه ؟ فقالوا : لعليّ بن بلتق غلام الخليفة . فمرت جوار مستحسنات فقال : لمن هذه ؟ فقالوا : لعلي بن بلتق . فمر به رجل فرآه وعليه أثر الضر فرمى إليه رغيفين فأخذهما ورمى بهما ، وقال : هذه لعلي بن بلتق « 1 » . ونسي الجاهل الأحمق ما يقول ويعترض ويفعل « 2 » قبل هذه المجاعة . فيا معترضين وهم غاية في النقص على من لا عيب في فعله . أنتم في البداية من ماء وطين ، وفي الثاني من ماء مهين ، ثم تحملون الأنجاس على الدوام . ولو حبس عنكم الهواء لصرتم جيفا . ولو أليق « 3 » منكم أهلككم . وكم من رأي يراه حازمكم فإذا عرضه على غيره تبين له قبح رأيه . ثم المعاصي منكم زائدة في الحد ! فما فيكم إلا الاعتراض على المالك الحكيم . ولو لم يكن في هذه البلاوي إلا أن يراد التسليم . ولو أنه أنشأ الخلق ليدلوا على وجوده ثم أهلكهم ولم يعدهم كان ذلك له ، لأنه مالك ، لكنه بفضله وعد بالإعادة والجزاء والبقاء الدائم في النعيم . فمتى ما جرى أمر لا تعرف علته فانسب ذلك إلى قصور علمك . وقد ترى مقتولا ظلما وكم قد قتل وظلم حتى قوبل ببعضه . وقلّ أن يجري لأحد آفة ولا يستحقها غير أن تلك الآفات المجازى بها غائبة عنا ورأينا الجزاء .
--> ( 1 ) مرت هذه القصة من قبل . ( 2 ) بياض بالأصل . ( 3 ) كذا .